بين الحنابلة وابن تيمية: موافقة أم مخالفة؟

عاوز تفهم؟ ركز معي.. منشور مهم جدا:
_________________
إذا قلنا: الحنابلة بعد ابن تيمية يخالفونه ويعظمونه، ولا تعارض، ويتركون النقل عنه في المواضع المشكلة كأن الله لم يخلقه: إما وأدا للخطأ، وإما صيانة له، ويعرفون كيف يتعاملون معه=
قالوا: هم مخلطون ولا يفهمون ولا يوزنون به، ولا قيمة لموافقتهم أو مخالفتهم!

ثم تراهم ينقلون عنهم تزكيتهم للشيخ في الاعتقاد، ويذكرون نقلهم عنه في بعض مسائله!

فكيف احتججتم الآن بتزكية قوم لا تحقيق عندهم، وبنقل من لا يفهمون؟!

– الشاهد ولندخل في الموضوع مباشرة:
هل الإمام المرداوي موافق لابن تيمية في قيام الحوادث بالله من أجل ما نقله في “التحبير” في صفة الكلام؟!
بداية: المرداوي في التحبير نقل كل الأقوال التي قيلت في المسألة وأطال فيها جدا، وبيّن غرضه في ذلك فقال:
“وإنما أطلت الكلام في هذه المسألة، ونقلت كلام العلماء المعتبرين فيها؛ ليعلم ذلك، ويعلم أقوال العلماء، والقائل بكل قول، ويعرف قائله وقدره ومكانته في العلم وعند العلماء؛ إذ غالب الناس في هذه الأزمنة يقول: (من قال: إن الله يتكلم بصوت، يكون كافرا) … فإذا نظر الإنسان المنصف في كلام العلماء الأئمة الأعلام المقتدى بهم، واطلع على ما قالوه في هذه المسألة= علم الحق، وعذر القائل، وأحجم عن المقالات التي لا تليق بمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، وعلم أن هذه المسألة من جملة مسائل الصفات.
ولهذا قال الحافظ العلامة ابن حجر: (قد صحت الأحاديث بذلك، فما بقي إلا التسليم أو التأويل) ، كما تقدم عنه.
فليس لأحد أن يدفع حديث النبي ﷺ ويقول بعقله: هذه الأحاديث مشكلة، ويلزم منها المحذور العظيم.
فقول من نتبع؟! قول هذا القائل، أو قول من اتبع الأحاديث على حكم صفات الله اللائقة بجلاله وعظمته؟! والله أعلم.
ونسأله التوفيق لما يرضيه عنا من القول والعمل والنية، إنه سميع قريب مجيب”.
هذا كلام المرداوي ويبين فيه بوضوح سبب الإكثار من النقل، وما نقله عن ابن تيمية مما فيه كون آحاد الكلام حادثا ونحوه= هو من هذا الباب، ولأصل إثبات الحرف والصوت.
ومن رأى أن نقله ذلك موافقة منه له= فليجعل نقله عن الموفق نقولا صريحة في التفويض ونفي الأدوات= كذلك،
وليجعل بقية النقولات عن الأصحاب المخالفة لمذهب ابن تيمية= كذلك!

والأمر ليس ذلك أصلا، بل الغرض هو ما بينه هو ولم يحوجنا إلى تخرص واستنباط.
***
***
وأما إذا أردت معرفة رأي المرداوي ورأي المذهب -في نظره- في كون الصفات قديمة أو لا؛ فاقرأ هذا الكلام الذي عقده بالقصد لهذه المسألة:
قال المرداوي: “(فأما صفات الله تعالى فقديمة، وهي حقيقة عند أحمد وأصحابه وأكثر أهل السنة، ومذهب المعتزلة حدوثها، والأشعرية حدوث صفات الفعل).
قال الحافظ أبو الفضل ابن حجر في “شرح البخاري”: (اختلفوا هل صفة الفعل قديمة أو حادثة؟ فقال جماعة من السلف منهم أبو حنيفة: هي قديمة. – قلت: وهو مذهب أحمد وأصحابه وأكثر السلف، كما نقله ابن مفلح-.
قال: وقال آخرون منهم: ابن كلاب، والأشعري: هي حادثة لئلا يكون المخلوق قديما.
وأجاب الأول: بأنه يوجد في الأزل صفة الخلق ولا مخلوق.
فأجاب الأشعري: بأنه لا يكون خلق ولا مخلوق، كما لا يكون ضارب ولا مضروب.
فألزموه بحدوث صفاته، فيلزم حلول الحوداث بالله.
فأجاب: بأن هذه الصفات لا تحدث في الذات شيئا جديدا.
فتعقب: بأنه يلزم أن لا يسمى في الأزل خالقا ولا رازقا، وكلام الله قديم، وقد ثبت فيه أنه الخالق الرازق.
فانفصل بعض الأشعرية: بأن إطلاق ذلك إنما هو بطريق المجاز، وليس المراد بعدم التسمية عدمها بطريق الحقيقة.
ولم يرتضه بعضهم بل قال وهو المنقول عن الأشعري نفسه -: إن الأسامي جارية مجرى الأعلام، والعلم ليس بحقيقة ولا مجاز في اللغة، وأما في الشرع؛ فلفظ الخالق والرازق صادق عليه تعالى بالحقيقة الشرعية، والبحث إنما هو فيها، لا في الحقيقة اللغوية، فألزموه بتجويز إطلاق اسم الفاعل على من لم يقم به الفعل.
فأجاب: بأن الإطلاق هنا شرعي لا لغوي) انتهى كلام الحافظ.
وقال: (تصرف البخاري في هذا الموضع يقتضي موافقة القول الأول، والصائر إليه يسلم من الوقوع في مسألة حوداث لا أول لها) .
ثم ذكر المرداوي كلام المعتزلة وحججهم.
وتبعه ابن النجار.

فانظر عمن نقل، وما الذي جعله هو وابن مفلح مذهب أحمد وأصحابه وأكثر السلف متدخلا في كلام ابن حجر بجملة اعتراضية؟
أن الصفات قديمة، وهو الذي نسبه ابن حجر لأبي حنيفة.

ولم يذكر المرداوي كلام ابن تيمية أصلا ولا حججه ولا ردوده، بل نقله كله عن الأشاعرة،
ومثله صنع ابن النجار.
وهذا محل ذكر قول ابن تيمية في المسألة لو كانوا يعتبرون به أصلا!
هذا والمرداوي من أكثر الأصحاب نقلا عن ابن تيمية وموافقة له وانتصارا لاختياراته ونشرا لها!

بل مِن قَبلهم ابن مفلح تلميذ ابن تيمية وناقل أقواله وحافظها وناشرها والحفي بها؛ فعل نفس الفعل، لم يذكر ابن تيمية ولا حججه وردوده أصلا، وذكر قدم صفات الله بإطلاق.
قال ابن مفلح:
“فأما أسماء الله وصفاته فقديمة، وهي حقيقة عند الإمام أحمد وأصحابه وجمهور أهل السنة”.
***
***
بل إن المرداوي في موضع آخر لما ذكر حجة المعتزلة على أهل السنة بإلزامهم بتعدد القدماء أو حلول الحوادث= نقل جواب الرازي 🙂 ولم يعتبر كلام ابن تيمية أصلا ولا أشار إليه!
قال: “وشبهة المعتزلة: أن هذه الصفات إن كانت حادثة لزم قيام الحوادث بالقديم، أو قديمة لزم تعدد القديم، والنصارى كفروا بالتثليث، فكيف بادعاء تسمية الذات وثمان صفات؟
وأجاب الرازي وغيره: أن النصارى عددوا ذوات قديمة لذاتها، ونحن نقول: القديم واحد وهذه صفاته، هي ممكنة في نفسها، ولكن وجبت للذات لا بالذات، فلا تعدد في قديم لذاته، فلا قديم لذاته إلا الذات الشريفة) انتهى، وتقدم هذا الجواب في قولنا: (وأما صفات الله تعالى فقديمة)”.
فانظر ذكر جواب من، وترك من؟! وأعاد ذكر جواب الأشاعرة وأحال عليه، ولم يلتفت لكلام ابن تيمية بحال.
بل إنه لم ينقل جواب الرازي الذي يفرح به التيميون ويلهجون به ويذكره ابن تيمية لإلزام الأشاعرة به!
فأين ما يقال من أن المرداوي والحنابلة يوافقون ابن تيمية أو يتحصنون بردوده؟!

وهذه المسألة -كما هو معلوم- من أعظم مسائل ابن تيمية التي أطال فيها النفس والحجاج وخالف فيها جمهور الحنابلة.
فأين نقلهم عنه أو ذكرهم رأيه أصلا؟!
وتبعهم على ذلك من كتب في اعتقاد الحنابلة متونا؛ كابن بلبان وعبد الباقي وعثمان والسفاريني، وقبلهم ابن حمدان، وغيرهم كثير.
فهل يترك هذا كله وهو موطن المسألة، وينقل كلام المرداوي في مسألة الحرف والصوت التي نقل فيها كل الأقوال وبَيّن بنفسه مراده من ذلك كما ذكرناه؟!
***
امممم
فلندع هذا كله ولنرجع إلى حجة: ليسوا محققين، وهم مخلطون.
ودوخيني يا لمونة.

لا بأس فنحن نفيد الطلبة بذلك ونفيد طالبي المعرفة كما هي، دون انتظار إنصاف من الخصوم. وبالله التوفيق.

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=2105104592932683&id=100002994878305

تتمة لمنشور الأمس في قدم الصفات الإلهية عند السادة الحنابلة:
قررت مرارا أن الحنابلة ينقلون عن ابن تيمية فيما يؤيد طريقتهم من الإثبات ورد التأويل ونحو ذلك، ويتجاهلون تقريراته في المواضع المشكلة؛ كحلول الحوادث والتسلسل وفناء النار؛ كأن لم يخلق الله ابن تيمية أصلا ولا خلق له كلاما فيها!
وهذا هو الشائع الغالب عليهم، فلا عبرة بالنادر.

وأما في الفقه فهو إمام مقدم، يكثرون النقل عنه ويحتجون بما ينسبه للمذهب ولو تفرد، ومع ذلك فهم يوافقونه ويخالفونه ويقبلون منه ويردون عليه، كما يفعلون مع غيره، وليس هو ذا مذهب مستقل ولا الإمام الفرد الأوحد.

وما ينقله بعض الناس من كلام الحنابلة في احتجاجهم بكلام ابن تيمية واحتفائهم بتقريراته= لا يخرج عما ذكرته من مقاصدهم لمن تأمل وأنصف.

وبينت ذلك أمس بوضوح من كلام الإمام المرداوي، وزدته بيانا بابن مفلح وابن النجار.
وذلك ردا على من نسب للمرداوي موافقة ابن تيمية في حلول الحوادث بالله تعالى من أجل كلام المرداوي في صفة الكلام!
***
ولنزد ذلك بيانا في هذا المنشور بالنقل عن واحد من أكثر الحنابلة نقلا لتقريرات ابن تيمية وتلميذه واحتفاء بها وتبجيلا لهما ونشرا لكلامهما، وهو العلامة السفاريني؛ فتنبه لما سأكتبه:
١- قال السفاريني عند شرح قوله: (صفاته كذاته قديمة):
“(صفاته) سبحانه وتعالى: الذاتية والفعلية والخبرية= (كذاته) عز شأنه (قديمة)، لا ابتداء لوجودها، ولا انتهاء؛ إذ لو كانت حادثة لاحتاجت إلى محدث، تعالت ذاته المقدسة وصفاته المعظمة عن ذلك، فإن حقيقة ذاته مخالفة لسائر الحقائق، وكذلك صفاته تعالى”. انتهى.

* فانظر إلى نصه على جميع الصفات وتعميمها، ثم لم ينقل شيئا من كلام ابن تيمية في حدوث آحاد صفات الأفعال.
وهذا السفاريني الذي هو أكثر المصنفين في العقائد نقلا عن الشيخ تقي الدين!
فأنت تراه هنا لم يلتفت لكلامه أصلا.
بل إن تعجب أيها القارئ الكريم؛ فالعجب أنه نقل بعد هذا الكلام مباشرة كلام ابن تيمية في تقسيم الفِرق إلى أهل إثبات وأهل تأويل وأهل تخييل وأهل تجهيل، ونقل تقريره في الأمر بتمامه.
بقطع النظر عن كونه بعد ذلك وقبله نصر التفويض مرارا، وعن توجيه ذلك!

يعني: أنه راح ينقل كلامه في مسألة أخرى متعلقة بإثبات الصفات، وترك كلامه في صلب المسألة المذكورة في البيت وهي قدم الصفات، ولم يلتفت إليه بحال.

أليست هذه نظرية (التطنيش) التي ذكرتها لكم؟!

وما قرره السفاريني هنا لا شك في مخالفته لطريقة الشيخ تقي الدين رحمه الله، ولذلك ترى شراح السفارينية من الوهابية يعترضون على السفاريني هنا.
فابن عثيمين مثلا لما جاء يشرح هذا البيت قال:
“وقول المؤلف: (صفاته قديمة) مجمل يحتاج إلى تفصيل، فالصفات بالنسبة لله عز وجل ثلاثة أقسام: صفات ذاتية، وصفات فعلية، وصفات خبرية”.
ثم فصلها، وقال في الفعلية:
“لكن هذا القسم من صفات الله آحاده حادثة، تحدث شيئا فشيئا، وأما جنس الفعل فإنه أزلي أبدي، فجنس كون الله فعالا -أي: جنس الفعل في الله عز وجل- أزلي، فلم يزل ولا يزال فعالا، لم يأت وقت من الأوقات يكون الله تعالى معطلا فيه عن الفعل، فإن الله لم يزل ولا يزال فعالا لما يريد سبحانه وتعالى.
لكن نوع الفعل أو آحاده هي التي تكون حادثة”.
وهذا تقرير تيمي محض.
فهل كان هذا غائبا عن السفاريني؟
لا والله!
ولكنه ليس موافقا لاتجاه عامة الحنابلة،
ولذا أهمل ذكر كلام ابن تيمية وتقريره فيه.
***
٢- وقال السفاريني في موضع آخر بعد أن أكثر النقل عن ابن تيمية وأطاله:
“(فسائر الصفات) الذاتية من الحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والكلام وغيرها، وسائر الصفات الخبرية من الوجه واليدين والقدم، والعينين ونحوها، ((و)) سائر صفات ((الأفعال)) من الاستواء والنزول والإتيان والمجيء والتكوين ونحوها= ((قديمة لله))، أي هي صفات قديمة عند سلف الأمة وأئمة الإسلام ((ذي الجلال)) والإكرام ليس منها شيء محدث، وإلا لكان محلا للحوادث، وما حل به الحادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك”. انتهى.

وهذا التقرير والاحتجاج هو الذي عليه عامة الحنابلة، ونص عليه أئمتنا؛ كالقاضي أبي يعلى وابن الزاغوني وابن حمدان وعبد الباقي وابن بلبان وعثمان وغيرهم كثير: (أن الله تعالى لا تحله الحوادث)، أو يعبرون بقولهم: (ليس محلا للحوادث)، وهكذا.

* والسفاريني هنا ينص على كون صفات الأفعال قديمة، ويمثل لها بالنزول والاستواء والإتيان والمجيء والتكوين!
فهل لهذا أدنى علاقة بابن تيمية وما ينسبه للمذهب والسلف؟!
وقول السفاريني: “ليس منها شيء محدث، وإلا لكان محلا للحوادث، وما حل به الحادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك”= لا شك في مباينته لكلام ابن تيمية وتقريره وحجاجه.
***
أكتفي بهذا، وفي الجعبة الكثير، ومحل ذلك عند الدرس وفي التصنيف إن شاء الله، وإنما أردنا بيان المذهب وطريقة أصحابه حقا.

* ونحن لا نقول لمن يخالفنا: قولوا بكلام الحنابلة واتركوا كلام ابن تيمية.
هذا شأنهم ونحن غير معنيين بهذا.
فقط نقول لهم: كونوا أمناء، وحرروا الأقوال كما هي عند أهلها، ولا تقوّلوا الناس ما لم يقولوه،
ولا تطعنوا في من خالفكم من أئمتنا بأنهم غير محققين حين تعجزكم الحجة في جعلهم مثلكم.
وإن لم تفعلوا فلن يضرهم شيئا ولن يضر العلم شيئا، وإنما الضرر عليكم في الدنيا والآخرة. والله يتولانا ويحكم بيننا وبينكم يوم القيامة.

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=2105764266200049&id=100002994878305

الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.