سيف العصري: هذا آخر ما أكتبه عن الاستغاثة

فهذا آخر ما أكتبه عن الاستغاثة … وهي عشر نقاط كاملة تامة، تأخذ كلٌ منها بزمام الأخرى … فخذها غنيمة باردة
******
ولن أسمح للنقاشات أن تستهلك وقتي أكثر من ذلك … وهذه خلاصة الخلاصة، وزبدة الزبدة في هذا الموضوع، مع التبسيط والتسهيل الذي لا أظن أن في قدرتي أن ازيد عليه
وأتعمد في هذه الخلاصة الاكتفاء بالإشارة إلى الأدلة والأقوال عن نقلها
وأحاول الإجابة عن جميع الاستفسارات الأصلية التي تدور في أذهان القارئين
والله أسأل أن يهدينا جميعا لما يحب ويرضى، فإلى النقاط:
أولاً:
ظن بعضهم أنني حين أنقل عن شيوخ الإسلام (السبكي، ابن حجر العسقلاني، تقي الدين الحصني) وغيرهم أنني أعتبر أقوالهم حجة، وهذا وهم منه، فإن أقوال العلماء يُستدل لها ولا يستدل بها، فليست حججاً شرعية، وأدلتنا من الكتاب والسنة.
ثانياً:
لا يصح عند العقلاء من الطرفين [المجيزين والمانعين] أن يكون موضع النزاع الاعتراف بالآيات الآمرة بتوحيد الله أو عدم الاعتراف بها، كما لا يصح عند العقلاء أن يكون موضع النزاع هل نوحد الله أم يجوز أن نشرك به، لأن توحيد الله أصل أصول الدين ولا يخالف فيها مسلم، فكيف يخالف أو يختلف في ذلك أئمة الحديث وشيوخ الإسلام.
ثالثاً: [وهذا مهم]
حقيقة الاستغاثة أن يتوجه زيد من الناس إلى نبي أو ولي حي أو ميت فيطلب منه كأن يقول: (مدد يا عبد القادر) أو (أشكو إليك مرضي) … هذه هي الاستغاثة فهل هي جائزة أم محرمة أم شرك؟
وهل مَنْ حصلت منه الاستغاثة قد دخل تحت الآيات التي تنهى عن دعاء غير الله، وأن من دعا غير الله فقد أشرك؟ أم لم يدخل.
رابعاً:
وهذا بداية الجواب، وبداية فك الاشتباك … وأنَّ الدعاء ليس نوعاً واحداً، بل أنواع … من فهم هذه القضية فقد أمسك بمربط الفرس، ووقف على مدخل المسألة، وحتى تفهم أيها القارئ الكريم هذه القضية فسأقرب لك الأمر …
مَنْ قال: الله يحيي الموتى (صادق موحد) وهو موافق لقوله تعالى: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} (البقرة: 258) … ومن قال: عيسى عليه السلام يحيي الموتى (أيضاً: صادق موحد)، وهو موافق لقوله تعالى عن عيسى عليه السلام: {وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّه} (آل عمران:49).
فإن قيل: كيف تكون العبارتان صحيحتين، مع أنَّ العبارة الأولى فيها إضافة الإحياء إلى الله المحيي … والثانية فيها إضافة الإحياء إلى مخلوق … فالجواب: أن الإضافة الأولى (إضافة خلق وإيجاد) والإضافة الثانية (إضافة تسبب واكتساب)
وخذ مثالاً ثانياً: [ولن أكثر من الأمثلة، لأنها كثيرة في كتاب الله]
من قال المتوفي هو الله، فهو (صادق موحد) وموافق لقول الله: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ} (الزمر:42)، ومن قال الذي يتوفى الأنفس هو الملك المخلوق فهو (صادق موحد) وموافق لكتاب الله القائل: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ} (السجدة:11)
فإن قيل:
هل يجوز أن نقول إن غير الله يحيي ويميت؟
فنقول: نعم يجوز، ويكون المقصود بالإضافة حينئذ (يحيي ويميت تسببا واكتسابا)، وهذا لا يؤثر في صفاء التوحيد، ولا يصادم العقيدة … لأن إضافة الإحياء والإماتة إلى الله ليس ما سبق إضافته للمخلوق، فلا شرك ولا تشارك، فالإحياء والإماتة التي تضاف إلى الله هي (إضافة خلق وإيجاد).
وهكذا يقال في {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ} (الذاريات:58)، و {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} [النساء: 8]، وهكذا يقال في: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} [يونس: 3]، و {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} (النازعات:5)، وهكذا يقال في {إِنَّكَ لَا تَهْدِي} (القصص:56)، و{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الشورى:52).
وهكذا يقال في قول النبي صلى الله عليه وسلم (إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ) رواه أحمد والترمذي، و (أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ) رواه مسلم
إذاً:
فالرزق والتدبير والهداية والسؤال … كل هذه تُنسب إلى الله باعتبار، ويجوز نسبتها للمخلوق باعتبار آخر … تنسب وتطلب من الله باعتبار (الخلق والإيجاد) وتُنسب وتطلب من المخلوق باعتباره (مُتسببا وكاسباً)
فإذا كان إسناد هذه الأفعال (إسنادَ تسبب واكتساب) في كتاب الله تعالى مُضافا إلى غير الله لا إشكال فيه، فكيف يكون طلب تلك الأفعال مِنْ نَفْس الوجه (أعني: التسبب والاكتساب) شركاً وكفراً.

خامساً:
وهذا بيت القصيد … بعد هذا الكلام والاستدلال بالآيات والأحاديث السابقة هل المستغيث مستغيث بالله أم مستغيث بغير الله؟
والجواب:
المغيث حقيقة هو الله تعالى، فهو المالك لكل شيء، القادر على كل شيء، ولا يملك غيره نفعا ولا ضرا، ولا نقيراً ولا قطميراً … فالْـمُسْـتَغَاثُ به حقيقة باعتباره خالقاً وموجداً هو الله وحده، ومن استغاث بغير الله ((بهذا الاعتبار)) فهو كافرٌ كفراً أكبر يخرجه من ملة الإسلام ويُلْـحِـقُه بالمشركين عبدة الأصنام.
والْـمُسْـتَغَاثُ به (مجازاً) هو المخلوق باعتباره (مُتَـسَببا مكتسب-ا)، وهذه الاستغاثة لا تخالف التوحيد والشرع، ولا تصادم الآيات الآمرة بإفراد الله بالدعاء، لأن تلك الآيات في (دعاء العبادة والخلق) لا في (دعاء التسبب والكسب).
سادساً:
فإن قال قائل: لو سلمنا بأنَّ الْـمُخاطِبَ لأهل القبور إنما قصد أنهم مُتسببون مُكتسبون (أي: أن النبي أو الولي الْـمُخاطب سيشفع أو يدعو) لهذا الشخص … أليس أهل القبور أموتٌ لا يسمعون؟
فالجواب:
اعتقادنا معشر أهل السنة أنَّ أهل القبور أحياء في قبورهم حياة برزخية، وأنَّ الطائعين يُنَعَّمون والكافرين يُعذَّبون، وبذلك وردت الأحاديث الصحيحة المتواترة خلافاً للمعتزلة.
وكما قال ابن القيم في كتاب الروح (وهذا خلاصة كلامه) أن الله شرع لنا السلام على أهل القبور، وأجمعت على ذلك الأمة سلفها وخلفها، ولا يمكن أن يكون ذلك السلام والخطاب منا لمن لا يسمع ولا يعقل.
سابعاً:
فإن قيل: لو سلمنا أن أهل القبور يسمعون، فكيف يسمعون من يخاطبهم مِنْ وراء البحار والبلدان.
فالجواب:
أنْه لا دليل على إثبات سماع كل ولي صالح لكل منادٍ في كل وقت، ولكن ذلك ممكن، فالله تعالى لا يعجزه شيء، والإغاثة من العبد الصالح عند العلماء ضمن الكرامات، وتأمل قول الإمام الكبير شهاب الدين أحمد الرملي: (بأن الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين جائزة وللرسل والأنبياء والأولياء والصالحين إغاثة بعد موتهم؛ لأن معجزة الأنبياء وكرامات الأولياء لا تنقطع بموتهم). فانظر من أيِّ زاوية نظر إلى المسألة.
ثامناً:
فإن قيل: أليس قد ثبت في الحديث أن الإنسان إذا مات انقطع عمله، فكيف ينفع هذا الولي غيره؟
قلنا:
المقصود انقطاع سعيه النافع له، لأن دار العمل والاختبار وهي الدنيا قد انتهت، وأما انتفاع غيره بدعائه فليس ذلك منافيا للحديث، بل قد وردت الأحاديث التي تفيد انتفاع الأحياء بالأموات [أي: الأموات باعتبار الحياة الدنيا]، فنبي الله موسى نفع أمة الإسلام كلها حين تسبب في تخفيف الصلوات عنا من خمسين صلاة إلى خمس.
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (حياتي خير لكم تحدثون ونحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم) … فهل استغفار رسول الله لنا ينفعنا أم أنه عبث!!!
وقد جاء في الحديث: (ن أَعمالكُم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الْأَمْوَات فَإِن كَانَ خيرا أستبشروا وَإِن كَانَ غير ذَلِك قَالُوا اللَّهُمَّ لَا تمتهم حَتَّى تهديهم كَمَا هديتنا)، والحديث له طرق كثيرة ربما أذكرها في منشور مستقل، فهل دعاء هؤلاء الأموات له فائدة أم أنه عبث ضائع.
تاسعاً:
فإن قيل:
أليس فعل المستغيثين مشابها لفعل المشركين، فإن المشركين قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3].
قلنا:
هذا باطل، فإن المشركين عبدوا تلك الأصنام، بنص هذه الآية نفسها، فإنهم قالوا: (ما نعبدهم إلا) أي: عبدناهم من أجل كذا … والمسلمون الموحدون لا يعبدون إلا الله، واستغاثتهم إنما هي من حيث كون المستغاث به سبب وكاسب لا خالق وموجد ومالك.
ثم إن المشركين اعتقدوا في أصنامهم أنها مالكة، وكانوا يقولون كما في صحيح مسلم: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك) فأثبتوا وصرحوا أنه شريك، وأنه مالك صغير إن صح التعبير، فأين هذا وتوسل أو استغاثة المؤمنين الموحدين.
عاشراً:
لَـمَّا كان ما سبق واضحاً عند العلماء، قال الإمام تقي الدين السبكي في شفاء السقام: (وليس المراد نسبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخلق والاستقلال بالأفعال، هذا لا يقصده مسلم، فصرفُ الكلام إليه ومنْعُهُ من باب التلبيسِ في الدين، والتشويشِ على عوام الموحدين).
ثم قال:
(وإذْ قد تحررت هذه الأنواع والأحوال في الطلب من النبي صلى الله عليه وسلم وظهر المعنى، فلا عليك في تسميته توسلاً أو تشفعاً أو استغاثة أو تجوهاً أو توجهاً لأن المعنى في جميع ذلك سواء).
والله الهادي إلى سواء السبيل
ـــــــ
كتبها سيف العصري
بين الظهر والعصر من يوم الأربعاء
الرابع عشر من ذي القعدة لسنة 1440
من هجرة المصطفى
17 من يوليو 2019

https://www.facebook.com/117916711714040/posts/1275345699304463/

الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.