ترجمة ابن برجان الأندلسي صاحب تفسير تنبيه الأفهام

ابن برجان

عبد السلام بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن اللخمي، المغربي، الإفريقي، ثم الأندلسي، الاشبيلي، المعروف بابن برجان مفسر، صوفي مقرئ، محدث، متكلم، مشارك في الهندسة و الحساب. توفي مغربا عن وطنه بمراكش بعد سنة 530 ه‍ وقيل سنة 536.

اختلف في اسم تفسيره للقرآن والأشهر أنه “تنبيه الأفهام إلى تدبر القرآن الكتاب والتعرف على الآيات العظام”، ومن تصانيفه شرح أسماء الله الحسنى في مجلدين وتأليف آخر في الحديث يسمى الإرشاد، قيل عنه “أنه قصد فيه على استخراج أحاديث صحيح مسلم بن الحجاج من كتاب الله تعالى فتارة يريك الحديث من نص آية، وتارة من محتواها ومفهومها، وتارة من إشارتها أو من مجموع آيتين مؤتلفتين أو مفترقتين، ومن عدة آيات إلى أشباه هذه المآخذ”.

وقد اشتهر هذا العالم بمؤلفه في التفسير ويقال إنه لا توجد منه نسخة كاملة أو أن النسخة الكاملة الوحيدة موجودة في مصر ويذهب بعضهم إلى أنها في الخزانة التيمورية تحديدا، وبحسب ما انتهى إليه البحث فإن الباحثين يذكرون نسخة باسم “تنبيه الأفهام إلى تدبر الكتاب الحكيم وتعرف الآيات والنبأ العظيم” مخطوط المكتبة السليمانية بـ إسطنبول – رقم E 1550 .

وأخرى باسم ” تنبيه الأفهام إلى تدبر القرآن الكتاب والتعرف على الآيات العظام” في الخزانة العامة بالمملكة المغربية بـ الرباط تحث رقم :242ك، تبدأ -هذه النسخة- بسورة الأعراف وتنتهي عند تفسير قوله تعالى :« لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ» من سورة النور، كما تحدث أحد الباحثين عن وجود نسخة أخرى منه في ألمانيا.

وقال ابن الأبار إن المؤلف كان من أهل المعرفة بالقراءات والحديث والتحقق بـ علم الكلام والتصوف مع الزهد والاجتهاد في العبادة وأضاف أن المؤلف لم يكمل هذا التفسير.

أما ابن الزبير فقال عنه إنه “أخذ من كل علم بأوفر حظ، مؤثر لطريقة التصوف وعلم الباطن، متصرفا في ذلك، عارفا بمذاهب الناس، متقيدا في نظره بظواهره الكتاب والسنة، بريئا من مردى تعمق الباطنية، شديد التمسك بالكتاب والسنة”.

ووصف التفسير بأنه :« جرى فيه على طريقة لم يسبق إليها واستقرأ من الآيات عجائب وقرائن من الغيوب إلا انه أغمض في التعبير ، فلا يصل إلى مقصوده إلا من فهم كلامه وألف إشارته وإلهامه”.

وقد قال أحد الباحثين المعاصرين إن تفسير ابن برجان يعتبر “من أهم التفاسير التي أنتجها الغرب الإسلامي، ومؤلفه شغل الساحة الفكرية والسياسية مدة طويلة، ورغم الأهمية العلمية والتاريخية لهذا التفسير فإنه لم يدرس بعد، بل إنه لم يطبع حتى الآن”.

وأهم ما يمتاز به هذا التفسير بشكل لافت للنظر،اهتمام ابن برجان فيه بالمناسبة بين السور والآيات واهتمامه بالمعاني الدقيقة فهو يشد القارئ في بعض الأحيان إلى معنى ربما يكون هو الذي سبق إليه وتميز به فمثلا.

في سورة الإسراء عند الحديث عن بركة المسجد الأقصى قال :«ربما سميت تلك الأرض مقدسة لتجلي المبارك القدوس عز وجل فيها لموسى عليه السلام وتكليمه إياه فيما هنالك، قال عز وجل :”نودي أن بورك من في النار ومن حولها”،وقال :”إنك بالوادي المقدس طوى” فليس يبعد مع هذا أن يكون الله عز وجل ذكره أبقى بركة تجليه فيما هنالك إلى يوم القيامة”.

وفي قصة موسى رد ما أورده المفسرون من سبب عقدة لسان موسى وإرجاعهم ذلك السبب إلى الجمرة قائلا :«والصحيح والله أعلم بما ينزل أنه كان رجلا عبرانيا في مجاورة القبط في جحورهم فكان ظاهر لسانه لغة القبط ثم تغرب إلى أرض مدين وجاور العرب فتعرب من أجل مدة سنين كان فيها هنالك قال عز وجل :«فلبث سنين في أهل مدين» فكانت من أجل ذلك لكنة لسانه فلم يكن فصيحا في لسانهم كأخيه هارون عليها السلام”.
وفي اقتصار ذكر الليل على الإسراء بين المسجدين دون ربطه بالعروج إلى العلا “وصف بالإسراء ما يسكن فيه الليل والنهار”.

وتأمل كيف أوّل قوله تعالى «ولا يزالون مختلفين إلا ما رحم ربك ولذلك خلقهم» قال “مختلفين أي في التوحيد والنبوة فمنهم من كذب بها ومنهم من صدق بعضا إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم أي للرحمة والتوحيد والتصديق”.

وبحسب تتبع بعض الباحثين فقد اهتم ابن برجان في هذا التفسير بتفسير القرآن بالقرآن واعتماد التفسير النبوي وأقوال الصحابة و التابعين، وقد وظف ابن برجان ثلاثة علوم لتفسير هذا النص علم التفسير و علم الحديث و علم الأصول ، مما يبين قيمة الرجل وعلو كعبه في العلم.

ويمكن أن نضيف إلى ذلك علم الفقه ؛وإن كان تفسيره هذا يكاد يكون خاليا من الأحكام الفقهية، ففي حم داود وسليمان في الحرث قال “وهذا إن صح الحكم فيه عن رسول غير ثابت عن الله بسند يقطع العذر فهو الحجة،وإنما الحديث المروي في ذلك عن النبي ،ولو كان ذلك كذلك فقد نسخه بقوله عليه السلام :«من استهلك شيئا فعليه قيمته”، فهذا هو الحكم الحق وهو الذي صحبه العمل ،وه والذي ألهمه سليمان عليه السلام والله أعلم » والشيء الجديد الذي جاء به في هذا النص هو توظيفه لعلم الناسخ والمنسوخ مع مصطلح “صحبه العمل “وهو أصل من أصول مذهب مالك ،وهو السائد في الأندلس في وقته.

ويتميز تفسير ابن برجان باتجاهه الإشاري ويقول في ذلك “فكلام الله عز وجل لا يدركه بالكيف البشر، وإنما يدرك أمره ونهيه بالمثالات والأمثال والأسماء والحروف، وبذلك استبان لهم كلامه كما تقدم (…)و بها أي بالحروف والأمثال والأسماء يستدل على كلامه تعالى وأمره ونهيه”، “ولمعرفة الأسماء والبحث عن سلوكها مسالكها من العالم يوقف على تفصيل جمل ما أنبأنا به في الكتاب العزيز وأن ذلك لا مطمع فيه إلا بلزوم التقوى وتقديم صحيح الإيمان و اطراح الحول والقوة ونبذ الحرص على حسن الثناء، بل ملازمة الخمول […] إذ هو نوع من العلم لا تسومه النفوس من ذاتها ولا تشعر به ولا يتعرفه إلا بهداية وتوفيق وإشعار وإلهام إلى ما هو الصواب”.

ومن الإشارات التي رويت عن تفسير ابن برجانـ أن ابن كثير روى في كتابه البداية والنهاية عند قوله تعالى (الم{1} غُلِبَتِ لرُّومُ{2})… 1-2 في سورة الروم، أن أبو شامة قال في الروضتين : وقد تكلم شيخنا أبو الحسن علي بن محمد السخاوي في تفسيره الأول فقال:

وقع في تفسير أبي الحكم الأندلسي – يعني ابن برجان- في أول سورة الروم أخبار عن فتح بيت المقدس وانه ينزع من أيدي النصارى سنة 583 قال: وقد ذكر في تفسير سورة القدر أنه لو علم الوقت الذي نزل فيه القرآن لعلم الوقت الذي يرفع فيه قلت : ابن برجان ذكر هذا في تفسيره في حدود سنة ثنتين وعشرين وخمسمائة ويقال إن الملك نور الدين أوقف على ذلك فطمع أن يعيش إلى سنة 583 لان مولده في سنة إحدى عشر وخمسمائة فتهيأ لأسباب ذلك حتى أنه اعد منبرا عظيما لبيت المقدس إذا فتحه وقد تحقق ذلك وفي مصدر آخر وردت القصة بهذا السياق.

وقد تقدم أن من الاتفاقات العجيبة أن قاضي دمشق محي الدين بن الزكي لما فتح السلطان صلاح الدين الأيوبي مدينة حلب في صفر سنة 579 هــ ، مدحه بقصيدة فيها:

     وفتحكم حلباً بالسيف في صفر       مبشر بفتوح القدس في رجب

فكان كما قال، وفتح القدس في رجب -كما تقدم- فقيل لمحيي الدين: من أين لك هذا؟ فقال: أخذته من تفسير ابن برجان في قوله تعالى: “آلمَ (1) غـُلِبــتِ الرُّومُ (2) فيِ أَدنىَ الأَرَضِ وَهم مِنّ بعدِ غَلَبهِمِ سَيَغلِــبونَ (3)”.

وكان الإمام أبو الحكم بن برجان الأندلسي قد صنف تفسيره المذكور في سنة 520 هــ، وبيت المقدس حين ذلك في يد الغازين الفرنجة.

قال أبو شامة في ‏(‏الروضتين‏)‏‏:‏ وقد تكلم شيخنا أبو الحسن علي بن محمد السخاوي في تفسيره الأول فقال‏:‏ وقع في تفسير أبي الحكم الأندلسي – يعني ابن برجان – في أول سورة الروم أخبار عن فتح بيت المقدس، وأنه ينزع من أيدي النصارى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة‏.‏

قال السخاوي‏:‏ ولم أره أخذ ذلك من علم الحروف، وإنما أخذه فيما زعم من قوله‏:‏ ‏{‏الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 1-4‏]‏ فبنى الأمر على التاريخ كما يفعل المنجمون، فذكر أنهم يَغلبون في سنة كذا وكذا، ويُغلبون في سنة كذا وكذا، على ما تقتضيه دوائر التقدير‏.‏

ثم قال‏:‏ وهذه نجابة وافقت إصابة، إن صح، قال ذلك قبل وقوعه، وكان في كتابه قبل حدوثه‏.‏ قال‏:‏ وليس هذا من قبيل علم الحروف، ولا من باب الكرامات والمكاشفات، ولا ينال في حساب‏.‏ قال‏:‏ وقد ذكر في تفسير سورة القدر أنه لو علم الوقت الذي نزل فيه القرآن لعلم الوقت الذي يرفع فيه‏.‏
قلت‏:‏ ابن برجان ذكر هذا في تفسيره في حدود سنة 522.‏

ويقال‏:‏ إن الملك نور الدين أوقف على ذلك فطمع أن يعيش إلى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، لأن مولده في سنة إحدى عشر وخمسمائة، فتهيأ لأسباب ذلك حتى إنه أعد منبراً عظيماً لبيت المقدس إذا فتحه والله أعلم‏.‏

قال ابن خلكان في تاريخه -في ترجمة ابن الزكي-: ولما وقفت أنا على هذا البيت وهذه الحكاية لم أزل أطلب تفسير ابن برجان حتى وجدته على هذه الصورة.

مصدر: موقع زهلول

الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.